صابرينا ميرقان ( تعريب : هيثم الأمين )

430

حركة الإصلاح الشيعي

هتافات تعبر عن تعلقهم ببلده ؛ كذلك أوفدوا شخصا لطلب الحماية الفرنسية من الضابط المقيم في صور ، فاكتفى بتزويدهم بالسلاح ، نظرا لعجزه عن إجابة طلبهم . كما أنهم رفضوا طلب موفد صادق حمزة بإعطاء المتمردين سلاحا ومالا وبرفع راية فيصل . ومن البديهي أن سكان هذه القرى كانوا بذلك يعرضون أنفسهم لتهمة التعاون مع الفرنسيّين أو العمالة لهم من قبل الشيعة . يبقى أن موقف عبد الحسين شرف الدين الملتبس كان يبعث على الحيرة ، وأن بالإمكان طرح السؤال ، ضدّ من كان يريد أن يثير حمية الجمهور في وادي الحجير بكل هذه الحماسة ؟ فلنقرأ ما رواه محمد علي الحوماني حول أداء عالمنا ، ولو أنه مبالغ فيه : « . . . وأنت دائب فيهم تحرضهم على الجهاد في سبيل الحق ، فهل أحسست من هذه الألوف آنذاك من يردّ لك كلمة أو يعصى لك أمرا ؟ كلهم - مذعنا لك ، خاضعا بين يديك - قولك الحد الفاصل بين الحق والباطل . ولو شئت أن ترمي بهم في البحر لما عصوا لك أمرا » « 129 » . ولئن كانت إطلالة عبد الحسين شرف الدين تثير حماسة الجمهور ، فإنها كانت غير مؤثرة في أفراد العصابات ، إذ إنهم هاجموا ، بعد المؤتمر بأيام ، القرى المسيحية . ونظرا لما يتمتع به زعماء العصابات من حسّ عملي فإنهم كانوا أقدر على فهم التناقض الماثل في كلام النخب العاملية ، ولا سيما في كلام عبد الحسين شرف الدين ، فلم يكن في الإمكان أن يدعى إلى الجهاد على الفرنسيين ، وإلى مسالمة المسيحيين وهم حلفاؤهم . وكان زعماء العصيان هؤلاء برفضهم الطاعة ، يظهرون ضعف الإجماع الظاهري الذي حققته النخب ، ويبرهنون على أنهم لم يكونوا يعترفون بسلطة هؤلاء الشخصيات مجتمعين . كذلك فإنهم كانوا يستهزئون بسلطة الزعيم كامل الأسعد ، وكانت قد بدأت بالتآكل بعد أن ظهر أنه عاجز عن فرض قراره . فكانت بادرتهم دليلا على هشاشة الإجماع العاملي وعلى فقدان الزعامة مصداقيتها ، في آن معا . كذلك فإنها بلورت فشل مؤتمر وادي الحجير ، الذي كان أول مناظرة سياسيّة علنية بين شيعة جبل عامل - على ما كان من اجتماع النخبة فيه تحت خيمة فيما كان « الشعب » ينتظر نتائج المناظرة خارجها . وعلى كل حال ، فإن نمط العمل السياسي المتبع لدى النخب قد ظهر فساده : فلم يعد الزعيم قادرا على إدارة البلاد ، وعلى تجسيد وحدتها ، وبات العلماء والوجهاء منقسمين بين من ينادي بالمحافظة على التقاليد المحلية ومن ينادي بصورة من التمثيل السياسي أكثر حداثة . وقد شكّل انعقاد مؤتمر الحجير علامة على إرادة العامليين التكيف مع الوضع الجديد ، وعلى تخطي الحيرة التي أوقعهم فيها . إلا أنهم ، لشدة ما انشغلوا بانقساماتهم الداخلية ، عزلوا أنفسهم عن باقي أقسام بلاد الشام : فلم يستبعد المسيحيون وحدهم عن المؤتمر ، بل كذلك السنّة . وكان الرابط

--> ( 129 ) . محمد علي الحوماني ، العروبة ، العدد 20 ، السنة الأولى ص 26 . ونذكر إضافة إلى ذلك ، أن بعض المصادر المقربة من عبد الحسين شرف الدين تشير إلى « فتوى » . وهذا ما كان من أمر ابن عمه محمد صادق الصدر ، في إحدى ترجماته . أنظر ، عبد الحسين شرف الدين ، النص والاجتهاد ، دار النعمان ، النجف ، 1964 ، الطبعة الثالثة ص 18 .